كتاب: هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس

الأربعاء، 14 مارس 2012

( إلى الذين يتطلعون إلى الصحوة الإسلامية الصحيحة، و يقلبون وجوههم في السماء ، متضرعين إلى الله لرؤيتها )
بهذه الكلمات يستهل المفكر التربوي الكبير ماجد عرسان الكيلاني كتابه العظيم ( هكذا ظهر جيل صلاح الدين و هكذا عادت القدس )
هذا الكتاب الذي يهديه المؤلف لجيل الصحوة الإسلامية من الشباب المسلم ، المتطلع للنصر و العزة ، العازم على التخلص من المهانة و الذل .
حيث يقدم المؤلف للشباب المسلم في كتابه هذا تجربة مريرة عاشها أجدادنا في تاريخنا المنصرم ،تماثل إلى حد بعيد ما نعيشه اليوم من تجربة أليمة تتمثل في التمزق و الضعف الداخلي ، و الهزيمة و التراجع الخارج فيستلهم الدكتور الكيلاني تجربة المسلمين- إبان الغزو الصليبي- من ذاكرة التاريخ المنسي ، ليسبر أغوارها و يحلل مفرداتها و يفسر أحداثها ،
و ليستنبط بعد ذلك المنهج الذي سلكته الأمة حتى تحولت في غضون نصف قرن من الهزيمة إلى النصر ،و من الهروب إلى المواجهة .
و الكتاب يأتي في مقدمة و ستة أبواب

المقدمة
و يبين فيها المؤلف حاجة فئات المجتمع للكتاب و أهميته للمربين و المفكرين و القادة .
ثم يبين أمراً خطيراً نقع فيه حين نناقش التحديات والأخطار التي تواجه المسلمين اليوم ، فكثيراً ما يستشهد الباحثون والدعاة والمفكرون بانتصارات صلاح الدين، ليدللوا على أهمية الروح الإسلامية في مواجهة هذه التحديات والأخطار, ويخلص هؤلاء إلى أن ما تحتاجه الأمة في معاركها الداخلية والخارجية اليوم ، هو قائد مسلم ، يستلهم روح الجهاد ، ويعبّئ الصفوف ، ويعلن المعركة .
فيبين المؤلف أن هذا الفهم له خطورته لأسباب :
أولها : أنه يصطدم بالقوانين القرآنية التي تقرر أن التغيير إلى الأفضل أو الأسوأ لا يحدث إلا إذا سبقه تغيير جماعي يقوم به القوم لا الأفراد .
والسبب الثاني : أن هذا الفهم يصرف الأنظار بعيداً عن الأمراض الحقيقية التي تنخر في جسم الأمة من داخل ، فتفرز فيها القابلية للتخلف والهزيمة ، ويشغلها بالأعراض الخارجية الناجمة عن تلك الأمراض .
والسبب الثالث: هو أن هذا الفهم ينمي في نفوس القادة روح الفردية والانفراد بالتخطيط والتنفيذ، ويزجّهم في صراع مع كل من يحاول المشاركة في الرأي أو العمل، فينتهون إلى الفشل والإحباط.
كما يستبعد هذا الفهم دور الأمة في المسؤولية ، ويشيع التواكل على القيادات وحدها ، في انتظار ظهور القائد المخلص .
ويقول المؤلف : ( إن صلاح الدين لم يكن في بدايته سوى خامة من خامات جيل جديد مرّ في عملية تغيير غيّرت ما بأنفس القوم من أفكار وتصورات وقيم وتقاليد وعادات، ثم بوّأتهم أماكنهم التي تتناسب مع استعدادات كل فرد وقدراته النفسية والعقلية والجسدية، فانعكست آثار هذا التغيير على أحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وسدّدت ممارساتهم ، ووجّهت نشاطاتهم )
و يبين المؤلف بعد ذلك أن هذا الكتاب محاولة للإجابة على عدة تساؤلات تمثل عصب كتابه الممتع أوضحها في مقدمة كتابه وهي:
1. ما هي المفاهيم و التصورات والقيم السلبية التي كانت تسود الأمة؟، وكيف تسببت هذه المفاهيم في تهيئة الأمة لقابلية الهزيمة.
2. ما هو التغيير الذي حدث خلال نصف القرن الذي مرَّ بين مذابح المسلمين في أنطاكية وساحات الأقصى وبين ظهور جيل نور الدين وصلاح الدين؟.
3. من هم الذين حملوا مسئولية هذا التغيير الإيجابي؟،وما هو المدى الذي وصل إليه التغيير المقصود؟.
4. هل كان صلاح الدين ظاهرة فردية، وشخصية عبقرية معجزة برزت فجأة على مسرح الأحداث طاهرة مطهرة من عوامل الضعف البشري، أم كان عينة لجيل مثله؟..
هذه هي التساؤلات الرئيسية التي يدور عليها محور الكتاب ، وتمثل أبوابه الستة وفصوله العشرون الإجابة على هذه التساؤلات.
الباب الأول : التكوين الفكري للمجتمع الإسلامي قبيل الهجمات الصليبية
يمهد المؤلف لفصول هذا الكتاب بتقرير أن الهزائم التي حلت بالمسلمين أمام هجمات الصليبيين كانت بعض نتائج ما كان يسود المجتمع المسلم من أفكار واتجاهات وقيم وعادات .
ثم يرصد الكاتب الأفكار التي كانت سائدة في المجتمع الإسلامي قبيل الهجمات الصليبية..
فالطابع المذهبي كان يمزق أواصر المجتمع آنذاك، وخرجت المدارس الفقهية المذهبية عن أداء دورها العلمي إلى تطاحن أضر بالمجتمع وكان الصراع على أشده بين الحنابلة وبين الأشاعرة.. فكل جماعة منها اعتبرت نفسها صاحبة الحق الوحيد في التواجد على مسرح الحياة الإسلامية بسبب تاريخ أسلافها المجيد..
مما ترتب عليه آثار فكرية وتربوية واجتماعية مدمرة رصدها الكاتب بمهارة وشكلت لنا بُعداً لهذا التطاحن.. فمثلاً أدى هذا التطاحن المذهبي إلى هبوط الفكر الإسلامي إلى حالة من الانغلاق والجمود والتطرف وفسد التعليم عندما تفشى فيه التعصب المذهبي ففي عام 470 هـ... كما يرصد الكاتب.. اشتبك طلبة المدرسة النظامية من الحنابلة والشافعية, وانتصر لكل فريق أنصاره من العوام وقتل عشرون وجرح آخرون.. ووقائع أخرى كثيرة رصدها المؤلف تدمي القلوب وتشكل جرس إنذار لنا للائتلاف والتواد خاصة في محيط حركتنا الإسلامية.
· كذلك امتد الانحراف إلى الصوفية، وحادت عن سبيل الكتاب والسنة الذي قيدت به نفسها في مرحلتها الأولى على يد كبار مشايخها كالحارث المحاسبي، والسري السقطي،و الحسن البصري وغيرهم.. ويضرب الكاتب المثل لهذا الانحراف ممثلا في الملامتية والحلولية.
فالأصل في التصوف أنه نشأ كمدارس تربوية – كالمدارس الفقهية- هدفها تزكية النفس وصقل الأخلاق, ولم تكن هذه المدارس تغلو في آرائها ، ولا تخرج عن قيد الشريعة في شيء، غير أن عوامل التطور عملت في هذه المدارس التربوية فطورتها إلى طرق ، كما تطورت المدارس الفقهية إلى مذاهب . وقد أصيب التصوف بالانقسام وانحراف بعض الطرق، كما أن الاضطراب الاجتماعي جعله يجنح إلى عزلة عن الحياة ، ويكتفي بالعمل على خلاص الفرد في الآخرة .
وقد نشبت الخلافات بين الفقهاء والمتصوفة ، إلى جانب الفتن المذهبية، وانتشرت طوائف الجهلة والسطحيين لديهم، ممن كانوا يتلقون عن شيوخهم تلقياً حرفياً وشكلياً وتقليدياً لا طائل تحته .
ويتحدث المؤلف في الفصل الثالث عن تحديات الفكر الباطني ، حيث ازدهرت الحركة الباطنية نتيجة للمذهبية والركود اللذين ضربا الفكر الإسلامي السني ومؤسساته .
فانتشر دعاة الباطنية في غرب العالم الإسلامي وشرقه ، واستطاعوا أن يفسدوا عقائد بعض الناس ، ويثيروا الفتن والقلاقل ، ويغتالوا الشخصيات التي تعارضهم ، فقتلوا مئات القادة والعلماء والسلاطين ، ونشروا الرعب في كل مكان .
وفي الفصل الرابع يتحدث المؤلف عن تحديات الفلسفة والفلاسفة للعقيدة وفكرة النبوة والرسالة في الإسلام منذ القرن الرابع الهجري .
وفي نهاية هذا الباب ، يمكن القول بأن التكوين الفكري والعقدي قد اتسم بأمرين :
الأول : جمود مؤسسات الفكر الإسلامي وتحولها عن رسالتها في ترشيد المجتمع الإسلامي وتوجيهه ، إلى مؤسسات مهنية أكاديمية ، اتسمت بالمذهبية والانقسام وانحراف مناهج التفكير عن الأصول القائمة في القرآن والسنة .
والأمر الثاني : إفساح المجال للعقائد الفكرية والاتجاهات الثقافية التي تهاوت مؤسساتها أمام الفتح الإسلامي ، لتبرز في مظاهر جديدة تتلاءم مع المنعطف العقدي والحضاري الذي أحدثته مدارس الفكر الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى

الباب الثاني : آثار اضطرابات الحياة الفكرية في المجتمعات الإسلامية
ويتحدّث فيه عن الفترة التي سبقت الهجمات الصليبية، فيعرض لتكوين هذه المجتمعات ، وللمبادئ والقيم التي كانت توجّه علاقات الأفراد والجماعات ، وتوجه سلوكهم ،
ويلحظ افتقار هذه المجتمعات إلى المفاهيم الصائبة ، والقيادات الناضجة ، حتى سار الناس في حياتهم اليومية والعامة دون إرشاد صحيح ، واختفت الموازين الإسلامية ، وسيطرت الأهواء والشهوات .
وقد أثّر هذا في سائر الميادين الحياتية فأفسدها ، وأضعف مقومات المجتمع في الداخل ومناعة المقاومة فيه ، وجعله عرضة للهزائم والنكسات ..
وقد لاحظ المؤلف فساد الحياة الاقتصادية من خلال قيام وسائل الكسب على أسس غير مشروعة ، فالدولة تفننت في أنواع الضرائب والابتزاز ، حتى الحجاج كانوا يدفعون الكثير للبلد الذي يمرون فيه . وقد أثرى القائمون على أمور الإدارة إثراء يفوق التصور .. واقتفى الجند آثار الأمراء والوزراء فكانوا – إذا ما نشبت الفتن بين الأمراء والسلاطين والملوك – يستغلون الفرصة ، وينهبون المدن والمحلات التجارية والبيوت .
وتفنن التجار في رفع الأسعار ، خاصة خلال ندرة الأقوات والحاجات ، فعانت الجماهير من ضروب الجوع مالا يمكن تصوره ولا تصديقه ، وتكاثرت المصائب والفقر والأمراض ، وأسهمت في إضعاف المجتمعات الإسلامية أمام الأخطار الخارجية ..
وفسدت الحياة الاجتماعية نتيجة لانهيار وحدة العقيدة في الحياة الفكرية ، كما انهار مفهوم الأمة الإسلامية، وحلّت محلّه مفهومات العصبية والإقليمية والعشائرية والمذهبية ، وانصرف الناس إلى الانشغال بقضاياهم اليومية الصغيرة التي تدور حول الغذاء والكساء والمأوى والتنافس في التجارات واللهو وتلبية الشهوات ، وانتشر النفاق والوصولية ، وسقطت الأخلاق وانهارت القيم ، وصار الحديث عن المثل العليا أو القضايا العامة ، إما وسيلة ثقافية يتكسب بها الخطباء والوعاظ ، أو مثاليات وخيالات يستخف بها الكثيرون .
ولقد وصف المؤرخ أبو شامة ناس تلك الفترة فقال : ( كانوا كالجاهلية ، همة أحدهم بطنه وفرجه ، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ).
وفي الفصل السابع تحدث المؤلف عن الانقسام السياسي ، إذ ظهرت دويلات في دمشق والموصل وسواهما ، واستمرت علاقات الشك والريبة والطمع تحكم تلك الدويلات التي دخلت فيما بينها في صراعات وحروب انعكست على الجماهير الذين كانوا يتعرضون للإيذاء والنهب والتفكك الاقتصادي والاجتماعي ، واستغل الصليبيون حالة الوهن والضعف هذه ، فأغاروا على البلاد ، وفتكوا بالعباد ، وكان أمراء بعض البلاد أكثر شراً من الصليبيين .
ويتناول الفصل الثامن حالة ضعف العالم الإسلامي أمام الهجمات الصليبية ودخول أميري حلب ودمشق في طاعة الصليبيين وأداء الجزية لهم ، وسقطت أنطاكية ثم بيت المقدس عام 492 هـ / 1098م واقترف الصليبيون المذابح الوحشية في كل مدينة أو قرية دخلوها ، وخاضت خيولهم بدماء الضحايا من الرجال والنساء والأطفال ، فيما كان السلاطين والأمراء لاهين في منازعاتهم وخصوماتهم ، وفيما كانت الجماهير مشغولة بشؤونها الصغيرة وقضاياها التافهة ، ولم تحركهم دماء أكثر من سبعين ألف شهيد من المجاورين والعلماء والطلاب والعباد والزهاد الذين فتك بهم الصليبيون في ساحة المسجد الأقصى .
الباب الثالث : المرحلة الأولى لحركة التجديد والإصلاح
ثم للإجابة عن السؤال الثاني المستفسر عن ماهية التغيير الذي حدث حتى ظهر جيل صلاح الدين؟
يخصص الكاتب البابين الثالث والرابع للحديث عن حركات الإصلاح التربوية الاجتماعية والتي حاولت أن تنهض بالمجتمع من كبوته عن طريق إرجاعه إلى صحيح الإسلام وتغيير ما بالنفس .
حيث مرّت عملية التغيير بمرحلتين :
الأولى : اتخذت طابعاً سياسياً قادتها حكومة السلاجقة ، ووجهتها جماعة الشافعية .
أما المرحلة الثانية : فقد بدأت في ميدان القيم والمعتقدات ، واستمرت حتى بلغت مداها المطلوب في دحض المحتلين من الصليبيين ، ودفع تحديات الباطنية وتحرير المقدسات .
و من أهم الحركات التي عملت على تغيير المجتمع المسلم و النهوض به ،
الحركة التي بدأها الإمام أبو حامد الغزالي - رحمه الله - والذي يخصص الكاتب كل الباب الثالث في استقراء آرائه التربوية وأفكاره الإصلاحية .
حيث أقام الغزالي منهجه الإصلاحي على ثلاث قواعد كما يقول الكاتب..
القاعدة الأولى.. إن الأساس في وجود الأمة الإسلامية هو إخراجها لحمل رسالة الإسلام إلى العالم أجمع, وحين قعد المسلمون عن تبليغ الرسالة امتلأت الأرض بالفتن.
القاعدة الثانية.. إنه من الواجب أن يجري البحث في أسباب هذا القعود من داخل المسلمين أنفسهم.
القاعدة الثالثة.. إن واجبنا و نحن نتلمس أسباب القعود أن نستهدف التشخيص وتقديم العلاج لا مجرد توترات سلبية تقوم على التلاوم وتبادل الاتهام.
فالغزالي يعالج ( قابلية الهزيمة ) بدل التباكي على ( مظاهر الهزيمة ) , لأن المشكلة في نظره إنما تكمن في فساد المحتويات الفكرية والنفسية عند المسلمين ، في أمور العقيدة والاجتماع وما سوى ذلك
أما ميادين الإصلاح عنده فكانت كالآتي..
1. العمل على إيجاد جيل جديد للتربية والتعليم.
2. وضع منهاج جديد للتربية والتعليم.
3. إحياء رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
4. الاعتراض على السياسات المالية الجائرة للسلاطين والحكام.
5. محاربة المادية الجارفة والسلبية الدينية, وتصحيح القصور السائد عن الدنيا والآخرة.
6. الدعوة للعدالة الاجتماعية.
7. محاربة التيارات الفكرية المنحرفة.
· هذا وقد كان من آثار مدرسة الغزالي ظهور نوع جديد من المدارس والمؤسسات التربوية الخاصة التي استلهمت روح المنهاج التربوي الذي بلوره الغزالي وهي المدارس التي يفرد لها المؤلف الباب الرابع

الباب الرابع : انتشار حركة الإصلاح والتجديد والمدارس التي مثلتها
حيث انتشرت المدارس التي سارت على منهج الغزالي في عموم المجتمع المسلم
وقد قسمها المؤلف إلى قسمين:
الأول : أقيم في العاصمة بغداد وعواصم الأقاليم,
الثاني : ركز على تربية العامة من الفلاحين والأكراد والبدو وعوام الأحياء الشعبية في المدن لتربية ناشئتهم على أفكار ومبادئ الحركة الاصطلاحية الجديدة.
· أما مدرسة العاصمة.. مدرسة بغداد فقد أرسى قواعدها عبد القادر الجيلاني - رحمه الله- وقد استقصى الكاتب جوانب هذه المدرسة.. وكيف اجتمعت فيها المعرفة العلمية بالتربية الروحية حيث كان الجيلاني ملتزماً بالكتاب والسنة وكان عبد القادر يدرس بنفسه ثلاثاً وثلاثين سنة.
· وبجانب التدريس كان الشيخ يمارس الوعظ باستمرار.. وفي هذه المواعظ مارس عبد القادر دوره النقدي للخلل الذي طرأ على طوائف عديدة بالمجتمع منهم العلماء, والوزراء والحجاب وغيرهم ولقد تركزت تعاليم عبد القادر في ميدان القيم الإسلامية, وهذه التعاليم تبلورت فيما يلي:
1. التوحيد.
2. تصويب مفهوم القضاء والقدر.
3. تصويب مفهوم الإيمان.
4. تصويب مفهوم أولي الأمر ومفهوم الأمر بالمعروف.
5. منزلة الدنيا والآخرة.
6. النبوة والأنبياء.
7. مكانة الزهد في الإسلام .
· ثم يذكر الكاتب القسم الثاني من المدارس التربوية والمؤسسات الإصلاحية وهي مدارس النواحي والأرياف والبوادي, ويذكر الكاتب أربعاً وعشرين مدرسة بتفصيلات موجزة لأنها تعتبر امتداداً.. للمدرستين الغزالية والقادرية اللتين أشار إليهما بالتفصيل.
· وكان الرباط الجامع لهذه المدارس هو مجاهدة النفس وتربيتها ودعوة الناس إلى صحيح الدين من جديد.. ويمكن القول أن الدور الذي قام به شيوخ هذه المدارس كان دوراً عظيماً يعطينا صورة صحيحة عن التصوف الذي كان سائداً آنذاك وهو تصوف مقيد بالكتاب والسنة, يلعب دوراً إيجابياً في خدمة المجتمع, قبل أن يدخل عليه الانحراف والتشوهات الفلسفية ويتحول إلى حركة سلبية انعزالية.
· مثلت هذه المدارس التربوية حركة إصلاح واسعة النطاق عميقة التأثير أسهمت في إخراج دولة تأثرت بهذا الفكر الإصلاحي التربوي وهي الدولة الزنكية أو ما يطلق عليها الكاتب (أمة المهجر).

الباب الخامس : الآثار العامة لحركة الإصلاح والتجديد
يتحدث المؤلف فيه عن الدولة الزنكيّة وسياساتها في الإصلاح والتّجديد، وإعداد الشّعب إعداداً إسلاميّاً وصبغ الدولة بالصبغة الإسلامية...
وهكذا تبرز طبيعة الاستراتيجية التي عملت مدة نصف قرن ، هيأت المجتمع الإسلامي لمواجهة الأخطار المحيطة به ، هذه الاستراتيجية التي أبدعها نور الدين وصلاح الدين اللذان كانا طليعة جيل مرّ بعملية تغيير شاملة ، لها برامجها ومؤسساتها ورجالها ، تغيير ما ران على القلوب والعقول من أفكار وتصورات وقيم وعادات وتقاليد ، فتغيرت نتيجة لذلك ، اتجاهاتهم وممارساتهم وإداراتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية ، وانتهى ذلك كله إلى إحلال الوحدة محل الفرقة ، والقوة محل الضعف ، والاستقرار بدل الاضطراب ، والشعور بالمسؤولية بدل الأنانية ، والانتصار بدل الهزائم .
ويرصد الكاتب ستة أمور تميزت بها سياسة الدولة الجديدة خلال فترة نور الدين وهي..
1. إعداد الشعب إعداداً إسلامياً, وتطهير الحياة الدينية والثقافية من التيارات الفكرية المنحرفة كالباطنية.
2. صبغ الإدارة بالصبغة الإسلامية, وشيوع العدل والتكافل الاجتماعي.
3. نبذ الخصومات المذهبية وتعبئة القوى الإسلامية وتنسيق جهودها ضمن منهاج عمل موحد.
4. ازدهار الحياة الاقتصادية وإقامة المنشآت والمرافق العامة.
5. بناء القوة العسكرية والعناية بالصناعات الحربية لمواجهة الصليبيين.
6. القضاء على الدويلات المتناثرة في بلاد الشام وتحقيق الوحدة الإسلامية بين الشام ومصر والجزيرة العربية.
هذه الركائز الست التي ميزت سياسة الدولة الجديدة.. يمضي الكاتب في شرحها وبسطها في فصول هذا الباب, والتي أدت إلى بزوغ نجم صلاح الدين على مسرح الأحداث والذي تربى في كنف الدولة النورية وتضلع من مبادئها الإصلاحية, وتأثر بالآراء التربوية للشيوخ المصلحين.
فهي جهود متعاقبة تسلم بعضها لبعض, وتكمل الجهود اللاحقة ما سبقها من جهد وتبنى عليه حتى آتت ثمارها المرجوة في استعادة بيت المقدس على يد صلاح الدين.. وهو الهدف الذي كان يرنو إليه كل مسلم صادق.
ولا يفوت الكاتب أن يقيم مدارس الإصلاح والتجديد, والمصير الذي آلت إليه مستعيناً بآراء ابن تيمية رحمه الله, ووضح كيف أن هذه المدارس بدأت بدايات سليمة قائمة على الكتاب والسنة, ثم طرأ عليها التغيير والانحراف في النهايات وتسربت إليها البدع بصورة كبير.

الباب السادس : قوانين تاريخية وتطبيقات معاصرة
وفي الباب السادس والأخير يحاول الكاتب - كمتخصص في التاريخ وأصول التربية -استخلاص قوانين من أحداث التاريخ تحكم الأحداث والظواهر وهي الغرض الأساسي الذي يبغيه الكاتب من هذا البحث.. فهو يقول : (ولكنا نريد من هذا البحث أن يكون سبباً مثيراً يلفت الانتباه إلى ضرورة وجود فقهاء في الاجتماع البشري يحسنون اكتشاف السنن والقوانين التي تخضع لها المجتمعات الإسلامية , ثم النظر في كيفية تأثير هذه القوانين إيجابياً)
ومن هذه القوانين التي يذكرها المؤلف..
1. إن صحة المجتمعات ومرضها أساسها صحة الفكر أو مرضه.
2. مع أن الإسلام هو العلاج المؤدي إلى صحة المجتمعات وقيام الراقي من الحضارات, إلا أن الإسلام لا يؤدي هذا الدور الحضاري إلا إذا تولى فقهه أولو الألباب والإرادات العازمة النبيلة.
3. ما لم يتزاوج الإخلاص مع الاستراتيجية الصائبة في تعبئة الموارد والقوى البشرية في الأمة فإن جميع الجهود والطاقات سوف تذهب هدراً على مذابح الصراعات الداخلية وتؤول إلى الفشل والإفلاس . . . . . . .
إلى غيرها من القوانين التاريخية التي حفل بها الباب السادس والتي تصل إلى أحد عشر قانوناً.
·إن هذا الكتاب - فيما نحسب - دعوة إلى إعادة قراءة تاريخنا واستلهام نماذجه الناجحة, ودعوة إلى فقه سنن التغيير , وكيف أن ظاهرة صلاح الدين ليست ظاهرة بطولة فردية خارقة, ولكنها خاتمة ونهاية ونتيجة مقدرة لعوامل التجديد, ولجهود الأمة المجتهدة , وهي ثمرة مائة عام من محاولات التجديد والإصلاح, وبذلك فهي نموذج قابل للتكرار من كل العصور وهو بذلك يستحق القراءة والدراسة بتمعن وتفكر.

الثلاثاء، 12 أبريل 2011

أيها الرفيق ! ها هي ذي الساعة التي يتسلل فيها شعاع الفجر الباهت بين نجوم الشرق !
كل ما هو مقبل علي الصحو ، قد بدأ ينتفض ويرتعش داخل خمول الكري وأطماره ........
قريباً ويشرق الكوكب المثالي علي كدحك الذي بدأ في السهل ، حيث لا تزال المدينة التي هجعت بالأمس .... نائمة !
ستحمل الأشعة الأولي للنهار الجديد ، بعيداً جداً .... أبعد من خطاك ..... ظل عملك المقدس في السهل الذي تبذر .... وسيحمل النسيم الذي يهب الآن ، البذار الذي يذرة يمينك أبعد من ظللك ....
أبذر يا أخي الزارع ! في الأخدود الذي يمتد بعيداً ... من أجل جيل قادم ....
ستحمل اشعاعات الصباح الجديد , ظل جهدك المبارك,في السهل الذي تبذر فيه بعيداً عن خطواتك...
سيحمل النسيم الذي يمر الآن البذور التي نثرتها يداك ... بعيداً عن ظلك...
ابذر يا أخي الزارع ..من أجل أن تذهب بذورك بعيداً عن حقلك , في الخطوط التي تتناءى عنك في عمق المستقبل...
ها هي بعض الاصوات تهتف , الأصوات التي أيقظتها خطواتك في المدينة,وأنت منقلب إلى كفاحك الصباحي... وهؤلاء الذين استيقظوا بدورهم , سيلتئم شملهم معك بعد حين...

غنّ ! يا أخي الزارع لكي تهدي بصوتك هذه الخطوات التي جاءت في عتمة الفجر , نحو الخط الذي يأتي من بعيد...
وليدوّ غناؤك البهيج , كما دوّى من قبل غناء الأنبياء , في فجر آخر , في الساعات التي ولدت بها الحضارات ...
وليملأ غناؤك الدنيا , أعنف وأقوى من هذه الجوقات الصاخبة التي قامت هناك ...
ها هم قد أشعلوا المصابيح الكاذبة لكي يحجبوا ضوء النهار , ولكي يطمسوا بالظلام شبحك, في السهل الذي أنت ذاهب إليه
ولكن شمس المثالية ستتابع سيرها دون تراجع , وستعلن قريباً انتصار الفكرة !
مالك إبن نبي القضايا الكبرى

حقيقة علم التوحيد

الأحد، 10 أبريل 2011

التوحيد، وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طريق المجادلة والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد وسمى المتكلمون العلماء بالتوحيد مع أن جميع ما هو خاصة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل والمماراة فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تسبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع فلقد كان ذلك معلوما للكل وكان العلم بالقرآن هو العلم كله وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين وإن فهموه لم يتصفوا به وهو أن يرى الأمور كلها من الله عز وجل رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط فلا يرى الخير والشر كله إلا منه جل جلاله فهذا مقام شريف إحدى ثمراته التوكل كما سيأتي بيانه في كتاب التوكل ومن ثمراته أيضا ترك شكاية الخلق وترك الغضب عليهم والرضا والتسليم لحكم الله تعالى وكانت إحدى ثمراته قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما قيل له في مرضه أنطلب لك طبيبا فقال الطبيب أمرضني وقول آخر لما مرض فقيل له ماذا قال لك الطبيب في مرضك فقال قال لي إني فعال لما أريد وسيأتي في كتاب التوكل وكتاب التوحيد شواهد ذلك.

والتوحيد جوهر نفيس وله قشران: أحدهما أبعد عن اللب من الآخر، فخصص الناس الاسم بالقشر وبصنعة الحراسة للقشر وأهملوا اللب بالكلية.

فالقشر الأول: هو أن تقول بلسانك لا إله إلا الله وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث الذي صرح به النصارى ولكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره.

والقشر الثاني: أن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده وكذلك التصديق به وهو توحيد عوام الخلق والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة.

والثالث: وهو اللباب أن يرى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط وأن يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبد غيره ويخرج عن هذا التوحيد أتباع الهوى فكل متبع هواه فقد اتخذ هواه معبوده قال الله تعالى: ]أفرأيت من اتخذ إلهه هواه[ (الجاثية: 23). وقال صلى الله عليه وسلم: (أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى هو الهوى)[92].

وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم وإنما يعبد هواه إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى ويخرج من هذا التوحيد التسخط على الخلق والالتفات إليهم فإن من يرى الكل من الله عز وجل كيف يتسخط على غيره فلقد كان التوحيد عبارة عن هذا المقام وهو مقام الصديقين فانظر إلى ماذا حول وبأي قشر قنع منه وكيف اتخذوا هذا معتصما في التمدح والتفاخر بما اسمه محمود مع الإفلاس عن المعنى الذي يستحق الحمد الحقيقي وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ويتوجه إلى القبلة ويقول: ]وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا[ (الأنعام: 79). وهو أول كذب يفاتح الله به كل يوم إن لم يكن وجه قلبه متوجها إلى الله تعالى على الخصوص فإنه إن أراد بالوجه وجه الظاهر فما وجهه إلا إلى الكعبة وما صرفه إلا عن سائر الجهات والكعبة ليست جهة للذي فطر السموات والأرض حتى يكون المتوجه إليها متوجها إليه تعالى عن أن تحده الجهات والأقطار وإن أراد به وجه القلب وهو المطلوب المتعبد به فكيف يصدق في قوله وقلبه متردد في أوطاره وحاجاته الدنيوية ومتصرف في طلب الحيل في جمع الأموال والجاه واستكثار الأسباب ومتوجه بالكلية إليها فمتى وجه وجهه للذي فطر السموات والأرض وهذه الكلمة خبر عن حقيقة التوحيد فالموحد هو الذي لا يرى إلا الواحد ولا يوجه وجهه إلا إليه وهو امتثال قوله تعالى: ]قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون[ (الأنعام: 91) وليس المراد به القول باللسان فإنما اللسان ترجمان يصدق مرة ويكذب أخرى وإنما موقع نظر الله تعالى المترجم عنه هو القلب وهو معدن التوحيد ومنبعه.


كتاب إحياء علوم الدين حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي

قصيدة "تونس" للرائع تميم البرغوثي

الاثنين، 31 يناير 2011


عِزٌّ لأمِّ مُحَمَّدٍ وَفَتَاها

عزٌّ لتُونِسَ أرْضِها وَسَماها

عِزٌّ لِكُلِّ أُخَيَّةٍ تَبْكِى عَلَيْهِ

بِخَيْرِ مَا تَبْكِى الكِرَامُ أَخَاها

تَبْكِيهِ بالجَمْعِ المُلِحِّ وُجُوهُهُ

بَاتَتْ لِوَجْهِ مُحَمَّدٍ أَشْبَاها

وَجْهٌ يُلِحُّ مُكَرَّراً وَمُكَرَّرَاً

حتى يُطَبِّقَ مُدْنَها وَقُرَاها

وَجْهٌ يُلِحُّ تَعَدَّدَتْ أَسمَاؤُه

أَفْدِى أَسَامِيَهُم وَمَنْ سَمَّاها

وَجْهُ المُقَيَّدِ فى السَّرِيرِ مُلَثَّماً

هَدَمَ المَمَالِكَ غَائِباً وَبَنَاها

أنتَ الشهيدُ وَأَنْفُ غَيْرِكَ رَاغِمٌ

وَجَدَ المَنِيَّةَ مُهْرَةً فَعَلاها

وَرَدَدْتَ صَفْعَتَهُم بأُخْرَى أَصبحَتْ

تَجْتَاحُ أقصاها إلى أقصاها

وَفَّى مُحَمَّدٌ بْنُ مَنُّوبِيَّةٍ

بِدُيُونِ قَوْم قَلَّ مَنْ وَفَّاها

وَفّى مُحَمَّدٌ بْنُ مَنُّوبِيَّةٍ

سَلِمَتْ يَدَاهُ سَيِّداً وَيَدَاها

سَلِمَتْ يَدَاهُ سَيِّداً لِمَصِيرِهِ

لَمْ يَرْضَ للنَفْسِ النَّوَارِ أَذَاها

حَيِّ الشَّهِيدَ وَأُمَّهُ وَبِلادَهُ

فَبِهِمْ يَبِينُ ضَلالُها وَهُدَاها

حَيِّ الذينَ غَدَتْ خُطاهُم سُنَّةً

للعالمينَ فَطَابَ مَن أَحياها

حَيِّ الجُمُوعَ أَتَتْ لِتَلْقَى مَوتَها

يومَ االقِتَالِ فَخَافَ أن يَلقاها

حَيِّ الأَكُفَّ العالياتِ كأَنَّها

عَمَدُ السماءِ تَمَايَلَتْ لَوْلاها

حَيِّ الأَكُفِّ أَتَتْ بِكُلِّ غَرِيبَةٍ

كالأنْبِياءِ إذا شَفَتْ مَرْضَاها

فالشَّمْسُ تَمْكُثُ فَوْقَها لِتُحِسَّها

والرِّيحُ تُبْطِئُ بَيْنَها لِتَرَاها

قَدْ أَمْسَكَتْ بِزمَانِها مِنْ عُنْقِهِ

لَمْ تُخْلِهِ إِلا وَقَدْ أَرْضَاها

أَيْدِى الذينَ إذا المُلوكُ تَجَبَّرُوا

كانوا لِتُونِسَ أُمَّها وَأَبَاها

إنَّ الدِّماءَ وَوَسْطَهَا شُهَدَاؤُهم

عَلَمُ البِلادِ هِلالُه قَتْلاها

ذَكَّرْتُمو جِيلاً تَجُورُ وُلاتُه

أنْ لم يُبَايِع وَالِياً أو شَاها

مَنْ مِنْكُمو اختارَ الوُلاةَ بِبَيْعَةٍ

مَن جاءَ يَطْلُبُها ومن أَعطَاها

مَنْ يَذْكُرُ اليومَ الذى أَمْسَى بِهِ

عَبْدَاً وَصَارُ العَبْدُ فيه إِلها

يا أَهْلَ تُونِسَ إنَّ أَيْدِيَنا لَهَا خَمْسَاً

كَأَيْدِيكُم تَذَكَّرْنَاها

يا أهلَ تُونِسَ والعُرُوشُ قَريبَةٌ

لم تَعْلُ إلا حينَ أَعْلَيْناها

يا أهلَ تُونِسَ لا كِفَاءَ لِجُودِكُم

جَلَّتْ هَدِيَّتُكُمْ وَمَنْ أَهْدَاها

يا أَهْلَ تُونِسَ إنَّها الأُولَى

وَكَمْ تَرنُو أواخِرُها إلى أُولاها

يا حاكمينَ نَصِيحَةً أن تَرْهَبُوا

إن النفوسَ رَهِينَةٌ بِرَدَاها

والحارسُ السَّاهِى على أبْوابِكُم

لو طالَ أَرْؤُسَكُم لَمَا أبقاها

والخادمُ المَحْنِيُّ فى رَدَهَاتِكُم

أعلى يَدَاً منكم وَأَوْسَعُ جَاها

فلتذكروا أَنَّا نَبِيتُ بِقُرْبِكُم

فى لَيْلَةٍ نِمْتُم وَمَا نِمْنَاها

أَوَلَمْ تَرَوا ما كانَ من أَسْلافِكُم

فى أَيِّ أَرْضِ فِرَنْجَةٍ مَثْواها

فاروقُ أو عَبدُ الإلهِ وَصَحْبُه

وَجُيُوشُ غَزْوٍ نَحنُ أَجْلَيْناها

قُلنا لهم شِعْرَاً كما قُلْنَا لكم هَذِى

القَصَائَدَ نَفْسَها قُلنَاها

إذْ لا جَدِيدَ هُنا سِوَى نِسيانِكم

وقعاتنا الأُولى فَكَرَّرْنَاها

فَتَذَكَّرُوا لِتُخَلِّصُوا أَشْعَارَنا

مِنْكُم وَنَكْتُبَها كَمَا نَهْوَاها

وَلْتَسْمَعُونا فَالمُوَفَّقُ بَيْنكم

مَن كانَ يَسْمَعُ حِكْمَةً فَوَعَاها

سَئِمَتْ بِلادُ المسلمينَ طُغَاتَها

فَجِدُوا بلاداً للطغاةِ سِوَاها

القول في جمع القرآن ثلاث مرات

الأحد، 5 ديسمبر 2010




وقال الحاكم في المستدرك جمع القرآن ثلاث مرات
إحداها بحضرة النبي ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع . . . الحديث
قال البيهقي يشبه أن يكون أن المراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي
الثانية بحضرة أبي بكر روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو
بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن فقلت لعمر كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله قال عمر وهو والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد قال أبو بكر إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره لقد جاءكم رسول حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف بسند حسن عن عبد خير قال سمعت عليا يقول أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله لكن أخرج أيضا من طريق ابن سيرين قال قال علي لما مات رسول الله آليت ألا آخذ علي ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه قال ابن حجر هذا الأثر ضعيف لانقطاعه وبتقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في صدره وما تقدم من رواية عبد خير عنه أصح فهو المعتمد

من كتاب
الإتقان في علوم القرآن جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي

فضل العشر الأوائل من ذي الحجة ويوم عرفة

الأربعاء، 3 نوفمبر 2010


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

واجبات من لم يحج

إهداء إلى مَن اشتاقت قلوبهم لخطواتٍ على أرض النبوة ولم يستطيعوا.. نذكرهم وإن لم يحجوا بواجبات مَن لم يحج.

اسمع ما قاله- صلى الله عليه وسلم- عن أيام الحج، قال صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر"، فقالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟، فقال صلى الله عليه وسلم: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (أخرجه الترمذي).

وهذه الأيام العشر الأول من ذي الحجة والتي تنتهي باليوم العاشر حيث عيد الأضحى تتم فيها معظم مناسك الحج.. فإذا عرفت واجباتك فيها وأديتها، فقد شاركت الحجيج فوزهم بهذه الأيام العشر.

فيوم عرفة من الأيام الفاضلة، تُجاب فيه الدعوات، وتُقال العثرات، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات، وهو يوم عظَّم الله أمره، ورفع على الأيام قدره، وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النيران.

فضائل يوم عرفة

(1) أنه يوم إكمال الدين واتمام النعمة: ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤنها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، قال: عمر قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.

(2) أنه يوم عيد لأهل الموقف: قال صلى الله عليه وسلم:"يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" (أخرجه أهل السنن).


(3) أن صيامه يكفر سنتين: فقد ورد عن أبي قتادة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: "يكفر السنة الماضية والسنة القابلة" (أخرجه مسلم).

وهذا إنما يُستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يُسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك صومه، ورُوِي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.

(4) أنه يوم مغفرة والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا إلى عبادي آتوني شعثًا غبرًا" (أخرجه أحمد).

أنواع العمل في هذه العشر

الأول: صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها، وبالأخص يوم عرفة، عن أبي قتادة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة، احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده".

الثاني: التكبير والذكر في هذه الأيام لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: من الآية 185).

الثالث: كثرة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات، كالصلاة والصدقة والجهاد والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الرابع: على المسلم الحرص على أداء صلاة العيد، وعليه معرفة أن هذا العيد يوم شكر وعمل بر وشكر وعمل فلا يجعله موسم معصية والتوسع في المحرمات كالمسكرات ونحوها، مما يكون سببًا لإحباط الأعمال الصالحة التي عملها في الأيام العشر.

الخامس: ومن الأعمال الصالحة في هذه العشر التقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي، وبذل المال في سبيل الله تعالى، وليحرص كلٌ منا على مواسم الخير فإنها سريعة الانقضاء، وليقدم لنفسه عملاً صالحًا يجد ثوابه أحوج ما يكون إليه فإن الثواب قليل والرحيل قليل والطريق مخيف والاغترار غالب والخطر عظيم والله تعالى بالمرصاد وإليه المرجع والمآب، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (8)﴾ (الزلزلة: 8-9).

الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض ولا تقدر بقيمة، المبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، وقبل أن يندم المفرط على ما فعل، وقبل أن يسأل الرجعة فلا يُجاب إلى ما سأل.

مقتطفات من كتاب مصارع العشاق: عائض القرني

الخميس، 23 سبتمبر 2010


قد سئل أبو حنيفة رحمة الله من الملاحدة والزنادقة ، عن دليل قدرة الباري ، جل وعلا .
فقال أبو حنيفة لهم : سفينة تجوب عباب البحر ، بلا ربان ، وبلا قائد في بحر دجلة .
فقالوا : هذا لا يكون أبداً ، يا أبا حنيفة .
قال : سبحانه الله ! ليل داج ، وسماء ذات أبراج ، وبحر يزجر ، ونجوم تزهر ، ألا تدل على السميع البصير .
وفـي كــــل شـــيء لــه آيـــة تـدل عـلـى أنــه واحــــد
فـيـا عـجـبـاً كـيـف يـعـصـى الإله أم كـيـف يـجـحـده الجـاحـد
أما سألت الزهرة من أنبتها وجملها ؟
أما سألت الليل من كساه وأعطاه ؟
أما سألت من رفع السماء وبسط الأرض ؟
أننا جميعاً أو معظمنا نعيش ركوداً فكرياً عن التدبر في الكائنات ، قد أركدتنا أصوات الآلات ، وهدير المصانع ، والمشروبات ، والملبوسات ، والمطعومات .


* قيل للإمام أحمد : ما دليل القدرة ؟
قال : سبحان الله ! بيضة الدجاجة ، أما سطحها : ففضة بيضاء ، وأما باطنها : فذهب أبريز ، تفقس فيخرج منها حيوان سميع بصير .


وقال هارون الرشيد للإمام مالك : ما دليل القدرة ؟
قال : سبحان الله ، اختلاف الأصوات ، وتعدد النغمات ، وتباين اللهجات .


* إذا احلولك الليل ، انبلج الصبح ، وإذا اشتدت ظلمة الغيث ، لمع البرق ، وإذا شد الحبل انقطع : اشتدي أزمة تنفرجي ، وأفضل من ذلك ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) (الشرح:6) .


* أحد الرواة الضعفاء اسمه حرام ، قال الشافعي : ( الرواية عن حرام حَرام ) .
وقالوا عن بقية بن الوليد :
( أحاديث بقية ، ليست نقية ، فكن منها على تقية ) .
وقالوا عن عطية بن سعيد : ( عطية للضعف مطية ) .
وقالوا عن مسدد بن مسرهد بن عرندل بن سرندل بن مغربل بن مسربل : هو كاسمه ، إي : أنه مسدد في الرواية ؛ لأنه من رجال البخاري ، أما اسمه : فهو رقية للعقرب .
وقال أحد العلماء : شعبة من شعبة ، أي : جزء من شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث .